محمد بن أحمد الفرغاني

27

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

يجذب النفس إلى عالم تعيّنات الوجود ، فاعلم أن للسيار إذا سمع تلاوة آية من آيات الكتاب العزيز بصوت محبّر ، أي محسن مزيّن بزينة التناسب والعدالة بين أجزاء حنجرته ، أو بين ارتفاع الصوت وبين انخفاضه ، أو بين أجزاء الزمان الواقع فيه تلك التلاوة ، أو سمع الألحان الموزونة المتناسبة المعتدلة من مغن حسن الصوت العارف بتعديل الألحان وتوحيد أجزاء الزمان مع اقتران معنى يفهم منه وحدة الكلام والمتكلّم يغلب حالتئذ حكم تلك الوحدة والعدالة الصورية والمعنوية على أحكام الكثرة والانحرافات الظاهرة فيه بحكم الرسوم والعادات ، وحينئذ تذكره تلك الوحدة والعدالة حضرة محبوبه التي هي عين الوحدة ومنبعها ، فيجد السيّار في حال هذه الغلبة وصف الوحدة الحقية الحقيقية في باطنه غالبا على آثار خلقيته آخذا بزمام روحه الروحانية مع ما يتبعها من الأثر الروحاني الذي هو المتعين لتدبير الصورة ، بل من روحانية كل جزء وذرّة من صورته يجذبها إلى عالم وحدة الشهود الحقيقي ، وحيث كانت العلاقة بين الأثر الروحاني وروحانية كل جزء وذرة من الصورة وبين هذا المزاج والصورة العنصرية البشرية في غاية الشدّة والقوّة ، وأثر جذبة ذلك الوصف الوحداني أيضا قوي جدّا يبقى السيار واقعا بين الجاذبين القويّين جاذب من جهة الروح ، وجاذب من جهة المزاج والقوى الجسمانية ، فيجد كربا وشدّة ؛ لا جرم قال : وجدت بوجد ، أي في حال وجد آخذي ، يعني وصف الوحدة الآخذ بزمام روحي وأثر روحانيّتي بجذبهما إلى عالم الوحدة عند تذكر حضرة المحبوب بتحبير ألحان تال القرآن وعدالة صوته وحنجرته ووحدة معناه ، أو بواسطة عدالة ألحان مغنّ حسن الصوت متناسب النغمات ومعتدلها مثل ما يجد المحتضر عند موته ، وفي حال نزع نفسه من الكرب والشدّة ، ومن حضور من يأخذه ويغلب ويجذب روحه إلى عالمها بالقبض ، وهم الملائكة الذين هم رسل الحقّ إلى الخلق بتنفيذ حكم المنايا فيهم إذا توفّت ، أي أماتت له هذه الرسل بحكم أمر مولاهم . فواجد كرب في سياق لفرقة كمكروب وجد لاشتياق لرفقة فذا نفسه رقّت إلى ما بدت به ، وروحي ترقّت للمبادي العليّة السياق : سوق الموت إلى الشخص ، ورقت النفس : صارت رقيقة متأثّرة سريعا غير قاسية ، ولمّا كان في رقّة النفس معنى الشفقة ، والشفقة تتضمن الميل